بين الحرب والفوضى… الخيار الذي يغيب عن النقاش
كلما اقترب الحديث عن مستقبل النظام الحاكم في إيران من سؤال التغيير، تظهر في النقاش الغربي ثنائية مألوفة: إما بقاء النظام خشية الفوضى، وإما تدخل خارجي يفتح بابًا على مستقبل مجهول.
لكن السناتور الأميركي السابق روبرت توريتشيلي طرح في مقابلة حديثة سؤالًا مختلفًا: ماذا لو كانت المشكلة أصلًا في هذه الثنائية؟ وماذا لو كان هناك خيار ثالث يقوم على إضعاف أدوات القمع، مع ترك مهمة التغيير السياسي للإيرانيين أنفسهم؟
توريتشيلي، السيناتور الديمقراطي السابق عن ولاية نيوجيرسي والمستشار القانوني منذ سنوات للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، قال في مقابلة مع برنامج «Daybreak» إن استمرار النظام رغم الضربات العسكرية والعقوبات لا ينبغي تفسيره تلقائيًا باعتباره دليل قوة.
فالأنظمة السلطوية، كما قال، تستطيع أن تظهر قدرًا من الصمود طالما بقيت أجهزة القمع قادرة على منع المجتمع من التعبير بحرية عن موازين القوى الحقيقية.
لكن الجزء الأكثر أهمية في حديثه لم يكن دعوته إلى استمرار الضغط الأميركي، بل إقراره بأن سقوط النظام في نهاية المطاف لا يمكن أن تنجزه قوة أجنبية.
«النظام لا يسقط في النهاية إلا عندما يثور الإيرانيون أنفسهم وينهون حكمه»، قال توريتشيلي.
وهنا يبدأ النقاش الأكثر أهمية من مسألة الضربات والعقوبات.
هل البديل هو الفوضى؟
منذ سنوات، تُطرح في دوائر غربية فرضية مفادها أن إضعاف النظام الحاكم في إيران قد يقود إما إلى الفوضى أو إلى فراغ سياسي لا توجد قوة منظمة قادرة على ملئه.
توريتشيلي يرفض هذه الفرضية.
وفي مقابل التصور الذي يحصر الخيارات بين نظام ولاية الفقيه أو العودة إلى نظام الشاه أو انهيار الدولة، يشير إلى وجود المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق وشبكات معارضة داخل البلاد.
ويذهب إلى أن هذه القوى لا تكتفي بمعارضة النظام، بل طورت تصورًا للمرحلة الانتقالية وكوادر لإدارة مؤسساتها.
لكن هنا يلزم التفريق بين أمرين.
وجود تنظيم سياسي وبرنامج للحكم يمكن توثيقه، أما حجم التأييد الشعبي لكل قوة معارضة داخل إيران فلا يمكن قياسه بدقة في ظل غياب الانتخابات الحرة والقمع والقيود على الإعلام والتنظيم السياسي.
المجلس الوطني للمقاومة، مثلًا، يطرح برنامجًا من عشر نقاط تتضمن إقامة جمهورية على أساس الاقتراع العام والتعددية، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين النساء والرجال، وإلغاء عقوبة الإعدام، واستقلال القضاء، وإيران خالية من الأسلحة النووية.
لكن امتلاك برنامج لا يمنح أي معارضة وحده تفويضًا مسبقًا للحكم.
التفويض لا يمكن أن يأتي إلا من الإيرانيين أنفسهم.
وهذه النقطة، في الواقع، تجعل حجة «وجود بديل» أكثر جدية، لا أقل: المطلوب ليس البحث عن حاكم جديد تعينه العواصم الغربية، بل التأكد من وجود قوى وبرامج يمكنها التنافس عندما يصبح الاختيار الحر ممكنًا.
بين الضغط الخارجي والتغيير الداخلي
توريتشيلي دعا خلال المقابلة إلى مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي على الحرس الثوري، والحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز، وعدم السماح للنظام بإعادة بناء أدواته العسكرية.
هذه رؤيته للسياسة الأميركية، وهي بطبيعتها موضع جدل سياسي في الولايات المتحدة وخارجها.
لكن هناك فرقًا جوهريًا بين استخدام الضغط الخارجي لإضعاف قدرة أجهزة النظام على القمع، وبين الاعتقاد بأن الطائرات أو القوات الأجنبية تستطيع أن تصنع نظامًا سياسيًا جديدًا داخل إيران.
حتى توريتشيلي يرسم هذه الحدود بوضوح.
وهذا التفريق مهم بصورة خاصة للعالم العربي، الذي يعرف من تجارب المنطقة أن إسقاط سلطة بالقوة لا يعني تلقائيًا بناء نظام مستقر وديمقراطي بعدها.
السؤال الحقيقي ليس فقط كيف تنتهي سلطة قائمة، بل من يملك التنظيم والبرنامج والمؤسسات الضرورية لمنع الانتقال من الاستبداد إلى الفوضى أو إلى استبداد جديد.
من هذه الزاوية، يصبح وجود معارضة منظمة مسألة سياسية تستحق الدراسة بعيدًا عن المبالغات المتبادلة.
فالسلطة في طهران تقول عادة إنه لا يوجد بديل سوى الفوضى، بينما يصر خصومها على وجود شبكات منظمة داخل المجتمع. وما يمكن إثباته بصورة مستقلة هو أن النظام نفسه يواصل ملاحقة منتسبين ومتعاطفين مع منظمة مجاهدي خلق، بما يدل على أنه لا يتعامل معها باعتبارها ظاهرة انتهت سياسيًا.
أما وزنها الحقيقي، مثل أوزان سائر القوى، فلا يمكن أن يحسمه إلا فضاء سياسي حر.
الاختبار الحقيقي للبديل
لهذا ربما لا يكون السؤال الأكثر فائدة: هل المجلس الوطني للمقاومة هو «البديل الوحيد»؟
السؤال الأكثر دقة هو: هل توجد قوة سياسية تمتلك برنامجًا واضحًا للانتقال إلى الانتخابات الحرة، وتقبل بأن يكون صندوق الاقتراع ـ لا السلاح ولا الوراثة ولا الدعم الخارجي ـ الحكم النهائي على شرعيتها؟
إذا كان الجواب نعم، فإن الحجة القائلة إن الخيار الوحيد بعد نظام الملالي هو الفوضى تصبح أقل إقناعًا.
وإذا كانت هناك عدة قوى تملك مثل هذه البرامج، فهذا ليس سببًا للخوف، بل هو بالضبط ما يفترض أن تعنيه التعددية.
المشكلة في إيران لم تكن يومًا نقص الأفراد الراغبين في الحكم، بل حرمان المجتمع من حق اختيار من يحكمه.
وهنا تكمن النقطة الأهم في حديث توريتشيلي: يمكن للخارج أن يضغط، وأن يعاقب، وأن يمنع تهديدًا عسكريًا، لكنه لا يستطيع أن يمنح الشرعية السياسية.
الشرعية لا تُقصف من الجو، ولا تُفرض من المنفى، ولا تُورث من الشاه إلى ابنه أو من مرشد إلى آخر.
إنها تبدأ في اللحظة التي يستطيع فيها الإيراني أن يختار، بحرية، من يحكمه وكيف يُحكم.