بعد خامنئي… من يملك حق تقرير مستقبل إيران؟
ليس السؤال الأكثر أهمية في إيران اليوم من سيكون الاسم التالي في قمة السلطة، ولا ما إذا كان شخص في المنفى يستطيع تقديم نفسه وريثًا سياسيًا لمرحلة ما بعد نظام الملالي. السؤال الأعمق هو أبسط وأكثر تعقيدًا في الوقت نفسه: من يملك حق تقرير شكل النظام المقبل؟
أعاد السياسي الاسكتلندي السابق ستروان ستيفنسون هذا السؤال إلى الواجهة في مقابلة حديثة مع برنامج «ستيف غروبر شو»، عندما قال إن الإيرانيين الذين أطاحوا بنظام الشاه عام 1979 لا يريدون اليوم أن «يستبدلوا العمامة بالتاج».
ستيفنسون، العضو السابق في البرلمان الأوروبي والرئيس السابق لوفده للعلاقات مع العراق، يرأس حاليًا لجنة حماية الحريات السياسية في إيران التابعة للجنة الدولية للبحث عن العدالة، وهو معروف بمواقفه المؤيدة للمقاومة الإيرانية. وقد توقع خلال المقابلة موجة احتجاج واسعة جديدة، معتبرًا أن الأزمات الاقتصادية والسياسية والقمع المتواصل تجعل الوضع الداخلي مرشحًا لمزيد من الاضطراب.
لكن أهمية كلامه لا تتوقف عند توقع توقيت انتفاضة جديدة؛ فالتوقعات السياسية تبقى مفتوحة على احتمالات عديدة. الأهم هو الجدل الذي طرحه حول طبيعة البديل.
ما بعد إسقاط النظام ليس تفصيلاً
شهدت إيران في مطلع عام 2026 واحدة من أوسع موجات الاحتجاج في تاريخها الحديث. بدأت التحركات أواخر ديسمبر بسبب الانهيار الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، ثم امتدت إلى مدن في جميع المحافظات الـ31، وتحولت سريعًا إلى احتجاجات سياسية ضد النظام.
وتشير تقارير حقوقية ودولية إلى مقتل آلاف الأشخاص واعتقال عشرات الآلاف خلال حملة القمع، وإن بقي العدد النهائي للضحايا موضع اختلاف بسبب قطع الإنترنت وصعوبة الوصول المستقل إلى المعلومات.
ثم جاءت الحرب في 28 فبراير ومقتل علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين لتضيف سؤال الخلافة السياسية إلى أزمة كانت قائمة أصلًا.
لكن سقوط رأس السلطة، أو حتى احتمال انهيار النظام نفسه، لا يجيب تلقائيًا عن السؤال التالي: ماذا بعد؟
وهنا تبدأ المشكلة التي أثارها ستيفنسون.
ففي بعض الدوائر الغربية والإعلامية يُطرح رضا بهلوي، نجل الشاه السابق والمقيم خارج إيران منذ ما قبل ثورة 1979، بوصفه أحد أبرز الوجوه المحتملة للمرحلة الانتقالية. وهو نفسه يقول إن الشعب الإيراني هو الذي يجب أن يقرر شكل النظام، ويؤكد أنه يحظى بدعم داخل البلاد.
لكن حجم هذا الدعم لا يمكن قياسه بصورة موثوقة. فقد وثقت تسجيلات من احتجاجات يناير شعارات مؤيدة له، في حين ظهرت أيضًا شعارات ومواقف تطالب بجمهورية ديمقراطية وترفض العودة إلى نظام الشاه. حتى التقييمات المستقلة تشير إلى أن تحديد الوزن الحقيقي لمختلف قوى المعارضة داخل إيران يبقى صعبًا في ظل القمع والقيود الإعلامية.
وهذه الحقيقة ربما تكون أهم من ادعاءات كل طرف بشأن حجمه.
لا شرعية تُمنح من الخارج
لا يمكن قياس مستقبل بلد يبلغ عدد سكانه عشرات الملايين بعدد المقابلات التلفزيونية التي يحصل عليها سياسي في الخارج، كما لا يمكن قياسه وحده بشعارات تظهر في تسجيلات محدودة خلال احتجاجات تجري تحت حظر الإنترنت.
الشرعية السياسية تُختبر عندما تتاح للمجتمع حرية التنظيم والتعبير والاختيار.
ولهذا تبدو عبارة ستيفنسون عن عدم استبدال «العمامة بالتاج» أكبر من مجرد نقد لرضا بهلوي. إنها تطرح مبدأً ينبغي أن يكون أساس أي انتقال سياسي: الخروج من ديكتاتورية دينية لا ينبغي أن ينتهي إلى إعادة إنتاج حكم وراثي أو منح الشرعية مسبقًا لأي شخص أو جماعة.
وفي المقابل، لا يكفي لأي معارضة منظمة أن تقول إنها تمتلك شبكات في الداخل لكي تحصل تلقائيًا على تفويض حكم البلاد. التنظيم عنصر مهم في أي عملية تغيير، لكن الشرعية النهائية ينبغي أن تأتي من إرادة المواطنين عبر مؤسسات وانتخابات حرة.
هذا التفريق مهم أيضًا للعالم العربي.
فالمنطقة دفعت أثمانًا باهظة عندما جرى اختزال مراحل الانتقال السياسي في سؤال «من يحكم بعد سقوط النظام؟»، بينما أُهملت أسئلة المؤسسات والدستور وسيادة القانون وتعددية القوى السياسية.
إيران ليست استثناءً من هذه القاعدة.
المعركة على المستقبل لا الماضي
الجدل بين أنصار نظام الشاه وخصومه ليس مجرد خلاف تاريخي حول ما حدث قبل عام 1979. إنه خلاف حول نوع الدولة التي ينبغي أن تأتي بعد أكثر من أربعة عقود من حكم ولاية الفقيه.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن المجتمع الإيراني نفسه أكثر تنوعًا من أن يُختصر بين خيارين: بقاء نظام الملالي أو العودة إلى نظام الشاه.
قد تكون هناك قوى منظمة، وجمهوريون، وأنصار للشاه، وحركات قومية ومدنية ومكونات اجتماعية متعددة، ولكل منها تصوره للمستقبل. وما لا تسمح به الظروف الحالية هو قياس أوزانها الحقيقية في انتخابات حرة.
من هنا فإن أكثر ما يمكن استخلاصه من مقابلة ستيفنسون ليس أن انتفاضة جديدة ستقع في موعد محدد، ولا أن نتيجة الصراع السياسي محسومة مسبقًا.
الدلالة الأهم هي أن السؤال عن إيران المقبلة بدأ يفرض نفسه قبل أن تنتهي أزمة النظام الحالي.
وعندما تصل البلاد إلى لحظة الاختيار، لن يكون الاختبار الحقيقي هو أي اسم نجح في كسب أكبر مساحة في الإعلام الدولي، بل ما إذا كان الإيرانيون سيتمكنون للمرة الأولى منذ عقود من اختيار نظامهم وحكامهم من دون عمامة مفروضة عليهم، ومن دون تاج يُعاد إليهم باعتباره قدرًا تاريخيًا.