السفير التركي بالقاهرة: الشراكة مع مصر ضرورة استراتيجية.. والتبادل التجاري يقترب من 9 مليارات دولار
القاهرة – محمد نصار
أكد السفير صالح موطلو شن، سفير الجمهورية التركية لدى القاهرة، أن العلاقات الاستراتيجية والشراكة بين مصر وتركيا لم تعد مجرد خيار أو قرار سياسي، بل أصبحت ضرورة تفرضها متطلبات السلام والأمن والاستقرار والتنمية في منطقة شرق المتوسط، مشددًا على أن البلدين يمتلكان فرصًا واسعة لتعزيز التعاون المشترك في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، بما يخدم مصالح الشعبين ويدعم استقرار المنطقة.
وتوقع السفير التركي اقتراب حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا من 9 مليارات دولار خلال العام الجاري، بما يمثل رقمًا قياسيًا في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مشيرًا إلى أن الشركات التركية تواصل توسيع استثماراتها في مصر، وأن ما لا يقل عن 50 منشأة إنتاج تركية جديدة بدأت نشاطها في السوق المصرية منذ عام 2022، فيما توفر الشركات التركية فرص عمل لنحو 100 ألف مصري.
جاء ذلك خلال الاحتفال الذي أقامته السفارة التركية بالقاهرة بمناسبة الذكرى الثالثة بعد المائة لتأسيس الجمهورية التركية، بمشاركة نحو 1500 شخص، من بينهم مواطنون أتراك ومسؤولون وشخصيات مصرية بارزة، حيث حضر السفير إيهاب سليمان، مدير مراسم وزارة الخارجية، والسفير عبد الرحمن موسى، مستشار شيخ الأزهر، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين والشخصيات العامة والإعلامية والثقافية والفنية، وممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى القاهرة.
وشهد الاحتفال عزف النشيدين الوطنيين المصري والتركي، كما قدمت فرقة موسيقية تضم نخبة من أبرز العازفين المصريين مجموعة من المقطوعات التقليدية والكلاسيكية من الموسيقى التركية والمصرية، في أجواء عكست عمق الروابط الثقافية والتاريخية بين البلدين.
وفي كلمته خلال الاحتفال، أعرب السفير صالح موطلو شن عن سعادته بمشاركة أجواء الاحتفال بعيد الجمهورية التركية في مصر، التي وصفها بالدولة الصديقة والشقيقة، مؤكدًا أن الجمهورية التركية تأسست قبل 103 أعوام في أعقاب المعاناة والخسائر التي خلفتها الحرب العالمية الأولى، لتشكل مرحلة جديدة في تاريخ الأمة التركية.
وأوضح أن الجمهورية التركية لم تكن مجرد تغيير في شكل نظام الحكم، بل مثلت نهجًا جديدًا يقوم على التعاون والتنمية والمساواة والاحترام المتبادل، وإقامة علاقات إيجابية مع دول الجوار والمنطقة والعالم، في إطار المبدأ الذي أرسته الجمهورية التركية: «السلام في الوطن، السلام في العالم».
وأضاف أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يتطلب إقامة نظام دولي تستطيع فيه الشعوب التعايش في ظل الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة والتعاون، والعمل المشترك من أجل تحقيق التنمية والازدهار.
وتطرق السفير التركي إلى التطورات الإقليمية والدولية، مؤكدًا معارضة بلاده استئناف الحرب ضد إيران، ومشددًا على أهمية تسوية الخلافات من خلال التفاوض والحلول السياسية، بدلًا من التصعيد العسكري الذي ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة.
كما أدان الهجمات التي تستهدف دول الخليج، بما فيها المملكة العربية السعودية، مؤكدًا أهمية الحفاظ على أمن الدول العربية واستقرارها، ودعم الحلول القائمة على الحوار والتفاوض في السودان، إلى جانب مساندة وحدة الأراضي الصومالية ومؤسسات الدولة، ورفض محاولات التقسيم والانفصال.
وفيما يتعلق بليبيا، أكد شن دعم تركيا لسلامة أراضيها وتوحيد مؤسساتها وتعزيز استقرارها، مشيرًا إلى أن بلاده تعطي أولوية لإعادة إعمار سوريا، وتدعم المصالحة الوطنية والتكامل الداخلي، وترفض الاعتداءات التي تستهدف أمنها وسلامة أراضيها.
غزة والقضية الفلسطينية
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكد السفير صالح موطلو شن أن تركيا، بالتعاون مع مصر والولايات المتحدة وقطر، أسهمت في الجهود الرامية إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة، والعمل على إقناع حركة حماس بقبول خارطة الطريق المطروحة.
وأشار إلى أن الأنشطة الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية، وتصاعد عنف المستوطنين والممارسات الرامية إلى التهجير القسري للفلسطينيين، تمثل عقبات خطيرة أمام تحقيق حل الدولتين، محذرًا من أن استمرار هذه الممارسات يقوض فرص إقامة سلام عادل ودائم في المنطقة.
وشدد على أن تحقيق السلام الحقيقي في الشرق الأوسط يرتبط ارتباطًا مباشرًا بضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته، مؤكدًا أن أمن الشعب الإسرائيلي لا يمكن تحقيقه من خلال قتل الفلسطينيين أو تهجيرهم من وطنهم، وإنما من خلال تعايش الشعبين في سلام وأمن ضمن دولتين منفصلتين.
وأضاف أن السياسة الخارجية التركية، تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان، تقوم على الدفاع عن المصالح الوطنية لتركيا، مع اعتبار المساهمة في تحقيق السلام الإقليمي والدولي مسؤولية أساسية، من خلال تعزيز التعاون بين دول المنطقة وإيجاد حلول مشتركة للأزمات على أساس المساواة والثقة والتضامن.
تحالف مكة والتعاون الإقليمي
وأكد السفير التركي أن مصر تمثل شريكًا طبيعيًا لتحالف مكة، موضحًا أن انضمامها الرسمي إلى التحالف يظل قرارًا سياديًا مصريًا، وأن تركيا سترحب بمشاركتها، لما لذلك من أهمية في دعم التوازنات الإقليمية وتعزيز الأمن والاستقرار.
وأشار إلى أن التهديد الأكبر للأمن الإقليمي يتمثل في محاولات الهيمنة والتوسع، موضحًا أن تحقيق التوازن وتعزيز قدرات الردع يمكن أن يساهما في احتواء هذه التوجهات ودفع الأطراف المختلفة نحو ضبط النفس والسلوك البناء والتكامل.
وفي سياق متصل، لفت شن إلى أهمية التعاون بين مصر وتركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية ضمن مجموعة «R-4»، معتبرًا أن هذا التعاون يعكس توجهًا نحو تعزيز المسؤولية الإقليمية والعمل المشترك لمعالجة أزمات المنطقة.
وأوضح أن الاجتماع الذي جمع مجموعة «R-4» مع مجموعة «E-4»، التي تضم إيطاليا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، في إسطنبول، عكس أهمية التعاون بين القوى الإقليمية والدولية لدعم السلام.
وأكد أن التحركات التركية لتعزيز التعاون الإقليمي لا تمثل بديلًا عن علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي أو التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو» والمنظمات الأوروبية والدولية، بل تأتي في إطار تنويع الشراكات وتوسيع مجالات التعاون والتضامن مع الدول العربية ودول الشرق الأوسط.
كما شدد على أهمية علاقات تركيا بجامعة الدول العربية، معربًا عن تهانيه للأمين العام الجديد نبيل فهمي، وكذلك للأمين العام الجديد لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ، مؤكدًا أهمية دور المؤسسات الإقليمية والإسلامية في دعم الاستقرار والتعاون بين الدول.
شراكة اقتصادية وعسكرية متنامية
وفي حديثه عن العلاقات المصرية التركية، أكد السفير صالح موطلو شن أن الشراكة بين البلدين تستمد قوتها من تاريخ مشترك يمتد لنحو 1200 عام، فضلًا عن الروابط الثقافية والاجتماعية والتاريخية التي تجمع الشعبين.
وأشار إلى أن تطور الاستثمارات التركية في مصر يعكس الثقة في الاقتصاد المصري والفرص المتاحة أمام الشركات التركية، موضحًا أن التعاون الاقتصادي مرشح لتحقيق مزيد من النمو خلال الفترة المقبلة، في ظل التوسع الصناعي وزيادة حجم التبادل التجاري.
وفي المجال العسكري، أكد شن أن العلاقات الدفاعية بين مصر وتركيا تشهد تقدمًا ملحوظًا، مع وجود مشروعات للتعاون في الصناعات الدفاعية، معربًا عن ثقته في إمكانية رؤية منتجات عسكرية مشتركة بين البلدين خلال السنوات العشر المقبلة، تشمل الصواريخ والسفن والطائرات والطائرات المسيرة.
وشدد على أن العلاقات بين دولتين كبيرتين مثل مصر وتركيا لا تعني بالضرورة تطابق مواقفهما في جميع القضايا، موضحًا أن الاختلاف في بعض الملفات أمر طبيعي، لكن ذلك لا يمنع وجود تقارب حقيقي في المصالح الاستراتيجية والوطنية للبلدين.
وأضاف أن تركيا، في دفاعها عن مصالحها الوطنية، تأخذ في الاعتبار مصالح مصر، انطلاقًا من إدراك مشترك لأهمية الحفاظ على استقرار المنطقة وتعزيز فرص التنمية والتعاون، بعيدًا عن الحسابات السياسية قصيرة الأجل.
تقارب سياسي ومستقبل مشترك
وفي ختام كلمته، أكد السفير التركي أهمية الإرادة السياسية التي أظهرها الرئيس رجب طيب أردوغان والرئيس عبد الفتاح السيسي في تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التنسيق بشأن القضايا الإقليمية، معتبرًا أن هذا التقارب يمثل أساسًا مهمًا لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للبلدين.
وأشار إلى زيارة الرئيس أردوغان إلى القاهرة في فبراير الماضي، معربًا عن تطلع تركيا إلى زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لتركيا خلال الفترة المقبلة، استجابة للدعوة القائمة من الرئيس التركي.
واختتم السفير صالح موطلو شن كلمته بالتأكيد على أهمية مواصلة العمل المشترك من أجل السلام والاستقرار والتنمية، معربًا عن تقديره للحضور ومشاركته الاحتفال بالذكرى الثالثة بعد المائة لتأسيس الجمهورية التركية.