علي رضا صداقت: العامل الإيراني يعمل بدوام كامل لكنه يبقى تحت خط الفقر*

0

تكشف الفجوة المتسعة بين الأجور وتكاليف المعيشة في إيران عن أزمة اجتماعية واقتصادية عميقة، بعدما أصبح دخل العامل، حتى مع العمل بدوام كامل، عاجزًا عن تأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة من غذاء وسكن وعلاج وتعليم.
وقال علي رضا صداقت، الباحث والمحلل الاقتصادي في الشؤون الإيرانية، في تصريح صحفي، إن أخطر ما في أزمة الأجور الحالية هو أنها أنتجت ظاهرة واسعة من «الفقراء العاملين»، أي أشخاص لديهم وظائف منتظمة لكن دخلهم لا يكفي لإخراج أسرهم من دائرة الفقر.
وأوضح صداقت أن الحد الأدنى للأجر الأساسي في العام الإيراني 1405 رُفع إلى نحو 16.6 مليون تومان شهريًا، بينما يصل إجمالي ما يتقاضاه العامل بعد إضافة بعض المخصصات إلى مستويات أعلى بحسب وضعه العائلي. إلا أن هذه الزيادة الاسمية فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها بفعل التضخم وتراجع قيمة الريال.
وأضاف أن الفارق بين الأجر وتكاليف المعيشة أصبح شديد الاتساع. ففي مارس/آذار 2026 قُدرت سلة المعيشة الرسمية لأسرة عاملة بنحو 42.9 مليون تومان، لكن حسابات لاحقة في يوليو/تموز رفعتها إلى نحو 90.6 مليون تومان، في حين لم يتجاوز إجمالي دخل العامل المتزوج مع طفل واحد نحو 24.9 مليون تومان. وبذلك تراجعت قدرة الأجر على تغطية سلة المعيشة إلى نحو 27.5 في المئة فقط.
وقال صداقت إن «العامل الذي لا يغطي دخله سوى ربع أو ثلث احتياجات أسرته لا يواجه مشكلة في مستوى الأجر فقط، بل يواجه انهيارًا في معنى العمل نفسه؛ فالوظيفة لم تعد توفر الحد الأدنى من الأمن الاقتصادي».
وأشار إلى أن تقديرات أخرى نُشرت خلال الأشهر الأخيرة وضعت تكلفة المعيشة في المدن الكبرى عند مستويات تتجاوز 50 مليون تومان، بينما تحدثت بعض التقديرات عن خط فقر يقترب من 70 مليون تومان أو أكثر، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الدخل الفعلي للأسرة وما تحتاج إليه للبقاء عند مستوى معيشي مقبول.
وأوضح أن التضخم يؤدي عمليًا وظيفة «ضريبة غير معلنة» على أصحاب الدخول الثابتة. فالعامل والموظف يتقاضيان أجرًا اسميًا محددًا، بينما ترتفع أسعار الغذاء والسكن والعلاج بصورة أسرع، ما يؤدي إلى نقل جزء مستمر من قوتهما الشرائية إلى قطاعات تملك الأصول والعقارات والعملات الأجنبية.
وأضاف أن الأرقام المتعلقة بالغذاء وحده توضح حجم الأزمة؛ إذ أظهرت تقارير اقتصادية أن إطعام أسرة مكونة من أربعة أفراد بات يستهلك نسبة كبيرة جدًا من دخل الحد الأدنى للأجور، حتى قبل احتساب السكن والنقل والعلاج والتعليم.
ولفت صداقت إلى أن المادة 41 من قانون العمل تنص على أخذ التضخم وتكلفة معيشة الأسرة في الاعتبار عند تحديد الحد الأدنى للأجور، لكن النتيجة العملية تكشف أن الزيادات السنوية في الأجور لا تلحق بالتغير السريع في الأسعار.
وأكد أن المشكلة ترتبط كذلك بتركيبة المجلس الأعلى للعمل، حيث تلعب الحكومة، بوصفها أكبر صاحب عمل ومركزًا رئيسيًا للقرار الاقتصادي، دورًا مؤثرًا في تحديد الأجور، في وقت لا تتمتع فيه النقابات المستقلة بحرية كافية للمفاوضة الجماعية أو الإضراب.
وقال إن «تحديد الأجر من دون وجود تمثيل عمالي مستقل وقادر على التفاوض يجعل العامل الطرف الأضعف في المعادلة، خصوصًا عندما تكون الحكومة نفسها صاحب عمل ومنظمًا للسوق وصانعًا للسياسة النقدية في الوقت نفسه».
وأضاف صداقت أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الدخل النقدي، بل امتدت إلى الأمن الغذائي والسكني؛ فالأسر تضطر إلى تقليص استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان، أو الانتقال إلى مناطق أبعد وأقل خدمات، أو الاستدانة لتغطية المصروفات اليومية.
وأشار إلى أن تراجع قيمة الريال خفّض أيضًا القيمة الدولارية الحقيقية للأجور، بحيث ارتفعت الأجور اسميًا خلال العام بينما تراجعت قدرتها الفعلية على شراء السلع والخدمات. وقد أظهرت بيانات منشورة في أبريل أن زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 60 في المئة رافقها تراجع في قوته الشرائية المقومة بالدولار بنحو 17 في المئة مقارنة بالعام السابق.
وشدد على أن أزمة الأجور ليست مجرد خلل فني يمكن حله بزيادة سنوية محدودة، بل ترتبط بنموذج اقتصادي يعاني من التضخم المزمن والعجز المالي وضعف الإنتاج وهيمنة مؤسسات كبيرة مرتبطة بمراكز السلطة على قطاعات واسعة من الاقتصاد.
وختم علي رضا صداقت بالقول: «حين يعمل الإنسان طوال الشهر ثم يعجز راتبه عن تأمين الطعام والسكن والعلاج، فإن الأزمة لا تعود أزمة أجور فقط، بل أزمة في توزيع الثروة وفي أولويات الاقتصاد نفسه. استمرار هذه الفجوة يعني مزيدًا من الفقر، ومزيدًا من عدم المساواة، ومزيدًا من الاحتقان الاجتماعي».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاسطورة تويتر _ الاسطورة الجديد _ العمدة سبورت _ ترددات القنوات _ سعر الدولار اليوم