أزمة الدواء في إيران تكشف اختلال الأولويات الاقتصادية للنظام

0

 

قال علي رضا صداقت، الخبير الاقتصادي في الشؤون الإيرانية، إن الارتفاع الواسع في أسعار الأدوية ونقص بعض العقاقير الحيوية لم يعد مجرد مشكلة قطاعية في النظام الصحي الإيراني، بل أصبح مؤشراً واضحاً على أزمة أعمق في إدارة الموارد والأولويات الاقتصادية للسلطة، يدفع ثمنها مباشرة المرضى والأسر محدودة الدخل.

وأوضح صداقت أن اعتراف رئيس منظمة الغذاء والدواء بأن أسعار نحو ثلثي الأدوية ارتفعت منذ بداية العام يكتسب أهمية خاصة، لأنه يأتي في وقت تعاني فيه الأسر الإيرانية أصلاً من التضخم وتراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والخدمات. وأضاف: «عندما ترتفع أسعار الدواء في مثل هذه الظروف، فإن المسألة لا تعني انخفاض مستوى المعيشة فقط؛ ففي حالة المريض المزمن قد يصبح العجز عن شراء الدواء مسألة حياة أو موت».

وأشار إلى أن الأزمة تتكون من عدة حلقات مترابطة: ارتفاع كلفة المواد الأولية والنقل، نقص العملة الأجنبية المخصصة للاستيراد، ضعف التغطية التأمينية، اختلال شبكة توزيع الدواء، ثم توسع السوق الحرة التي تُباع فيها بعض الأدوية بأسعار مرتفعة، مع تزايد مخاطر الأدوية المزيفة.

ولفت صداقت إلى أن الأرقام التي أعلنها المسؤولون أنفسهم تكشف حجم أزمة التمويل. فمن أصل 5 مليارات دولار كانت مخصصة لقطاع الدواء في العام الماضي، لم يتوفر سوى أقل من 4.5 مليارات، بينما خُصص للعام الحالي 4.5 مليارات دولار، لم يُدفع منها حتى الآن سوى 1.3 مليار دولار. وقال إن هذه الفجوة لا يمكن فصلها عن الأزمة العامة في توفير النقد الأجنبي وتوزيعه.

وأضاف: «من السهل على المسؤولين إرجاع الأزمة كلها إلى العقوبات أو الحرب واضطراب النقل، وهذه عوامل لها تأثير بالفعل، لكن السؤال الاقتصادي الأساسي هو: عندما تكون الموارد محدودة، أين تضع السلطة أولوياتها؟ ولماذا يصل نقص العملة إلى قطاع يرتبط مباشرة بحياة المرضى؟».

وأكد صداقت أن نقص أدوية مرضى الثلاسيميا وعامل التخثر 13 يكشف خطورة الوضع، لأن الحديث هنا لا يدور حول سلع استهلاكية يمكن للمواطن تأجيل شرائها، وإنما عن أدوية يحتاج إليها المرضى بصورة منتظمة. وكل اضطراب في استيرادها أو توزيعها يمكن أن تكون له عواقب صحية خطيرة.

وأشار إلى أن ظهور ظاهرة الحصول على العلاج بالدين أو بالتقسيط يمثل بدوره علامة مقلقة على تآكل القدرة الشرائية. وقال: «عندما تحتاج الأسرة إلى الاقتراض من أجل العلاج، فهذا يعني أن الأزمة الاقتصادية انتقلت من تقليص الاستهلاك والكماليات إلى تهديد الاحتياجات الإنسانية الأساسية».

وأضاف أن المشكلة الأخرى تتمثل في انهيار الثقة بسوق الدواء. فاعتراف منظمة الغذاء والدواء بتزايد بيع الأدوية المزيفة وارتفاع الأسعار عبر المنصات الإلكترونية يطرح تساؤلات جدية حول الرقابة وشبكات التوزيع، ولا سيما كيفية انتقال الأدوية من القنوات الرسمية إلى السوق الحرة.

وشدد صداقت على أن معالجة الأزمة لا تتم فقط بزيادة أسعار الأدوية حتى لا تتعرض المصانع للخسارة، لأن نقل التكلفة بصورة متواصلة إلى المريض سيؤدي إلى إخراج المزيد من الأسر من دائرة القدرة على العلاج. المطلوب، بحسب قوله، هو ضمان توفير العملة والمواد الأولية، وإصلاح نظام التأمين والتوزيع، ووضع الصحة ضمن الأولويات الفعلية للإنفاق العام.

وختم علي رضا صداقت بالقول: «إيران بلد غني بالموارد، ولذلك فإن رؤية مريض يبحث عن دوائه أو أسرة تقترض لتغطية تكاليف العلاج ليست أزمة مالية فحسب، بل تكشف خللاً عميقاً في إدارة الثروة الوطنية. عندما يصبح الدواء عبئاً لا يستطيع المواطن تحمله، فإن السؤال الحقيقي لا يعود فقط: لماذا ارتفع سعر الدواء؟ بل أين تذهب موارد البلاد، ولماذا لا تكون حياة المواطن وصحته في مقدمة الأولويات؟».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاسطورة تويتر _ الاسطورة الجديد _ العمدة سبورت _ ترددات القنوات _ سعر الدولار اليوم