عقب تكريمه من المركز الأوروبي للثقافة البروفيسير عبد الناصر الجنابي رئيس المجلس الوطني للمعارضة العراقية في حوار خاص

0

 

الشعب العراقي لم يستطع حتى الآن تحقيق طموحه في إقامة نظام سياسي يحقق ما يتطلع إليه من حياة كريمة بسبب نظام المحاصصة وتبعية مؤسسات الدولة للخارج.

العراق اليوم في حاجة إلى حكومة إنقاذ وطني تعيد هيبة الدولة وتحافظ على كيانها.

صدر حديثًا من المركز الأوروبي للثقافة كتاب بعنوان «رجل في زمن الانهيار» للكاتب والمؤلف الروماني جبرائيل نيكولاي، والذي يتناول مسيرة البروفيسير عبد الناصر الجنابي رئيس المجلس الوطني للمعارضة العراقية، وعقب الضجة الواسعة التي أحدثها هذا الكتاب والذي صدر باللغتين العربية والإنجليزية وتم توزيعه في عدد من المكاتب العربية والأوروبية كان لنا معه هذا الحوار.

1. ما هي ملابسات قيام المركز الثقافي الأوروبي بإصدار كتاب «رجل في زمن الانهيار»؟ وهل يجسد هذا الكتاب بحق حياتكم والأوضاع التي يمر بها العراق؟

تواصل معنا المركز الثقافي الأوروبي في رومانيا بعد سلسلة من المقالات والحوارات التي نشرناها خلال السنوات الماضية، وتناولنا فيها انهيار القيم والمؤسسات في العراق. وقد رأى المركز أن التجربة العراقية تستحق أن توثَّق بوصفها شهادة من الداخل، وليس مجرد تحليل يأتي من الخارج.

الكتاب لا يحكي سيرتنا الشخصية فقط، وإنما يحكي سيرة جيل كامل عاش بين الحرب والحصار والاحتلال والطائفية والفساد.

ولذلك، نعم، نظن أن الكتاب يجسد جانبًا كبيرًا من واقعنا العراقي، بما فيه إحباط المواطن، وهجرة الكفاءات، وتآكل مؤسسات الدولة، وصعود منطق المحاصصة على حساب المواطنة.

إن الكتاب لا يتحدث عن الانهيار وحده، وإنما يتناول أيضًا قدرة العراقيين على الصمود وتمسكهم بالحياة والأمل رغم كل ما مروا به من أزمات وانهيارات.

2. ما الأسباب التي أدت إلى عدم تحقيق الشعب العراقي حتى الآن طموحه في إقامة نظام سياسي يحقق ما يتطلع إليه من حياة كريمة والقضاء على الفساد والمحسوبية؟

الأسباب مركبة ومتراكمة، ويمكن تلخيص أبرزها في عدة عوامل:

أولًا: نظام المحاصصة، الذي حوّل الدولة في كثير من الأحيان إلى غنائم تتقاسمها الكتل السياسية التي جاءت بواسطة احتلال العراق، بدل أن تكون مؤسسات وطنية تعمل لخدمة المواطن.

ثانيًا: التدخلات الخارجية، سواء الإقليمية أو الدولية، والتي جعلت القرار العراقي خاضعًا لتوازنات وصراعات لا تخدم مصالح العراق الداخلية والخارجية.

ثالثًا: ضعف وتبعية مؤسسات الدولة إلى خارج العراق، بما فيها القضاء وأجهزة الرقابة والخدمة المدنية، نتيجة تأثير المحسوبية والولاءات السياسية.

رابعًا: ثقافة الريع الاقتصادي ونهب الثروات، إذ إن الاعتماد شبه الكامل على النفط أضعف ثقافة الإنتاج وجعل العلاقة بين المواطن والدولة في كثير من الأحيان قائمة على الوظيفة والخدمات والولاء السياسي.

خامسًا: غياب المشروع الوطني الجامع في العملية السياسية، فما زال التفكير بمنطق المكونات والانتماءات الفرعية بدلًا من ترسيخ مفهوم المواطن العراقي أولًا.

ومع ذلك، فإن طموح الشعب العراقي لم يمت، وكانت احتجاجات وتظاهرات تشرين عام 2019 خير دليل على وجود رغبة حقيقية في التغيير.

إن ما يجب أن يكون هو الإرادة السياسية الوطنية للتغيير ضمن مسار ثورة سلمية مسيطر عليها، إلى جانب توفير حماية قانونية ومؤسسية حقيقية لمسار الإصلاح،

مع عدالة انتقالية بدعم دولي وإقليمي.

3. في ظل الصراع المحتدم بين إيران والولايات المتحدة، برزت قضية إقامة إسرائيل لقاعدة لها في صحراء العراق. فهل يعني ذلك أن العراق لا يزال حتى الآن خاضعًا للوصاية الأمريكية، أم أنه لا يزال تحت وصاية نظام الملالي في إيران؟ وهل ترون أن استمرار التدخلات والصراعات الإقليمية والدولية على الأراضي العراقية يؤكد حاجة العراق اليوم إلى حكومة إنقاذ وطني تعيد هيبة الدولة، وتحافظ على كيانها وسيادتها، وتعمل على استعادة الأموال التي سُرقت أو نُهبت من المال العام، ومحاسبة كل من استغل موقعه في الحكم وتسلط على رقاب أبناء الشعب العراقي؟

العراق لا يحتاج إلى أن يختار بين وصاية وأخرى. المشكلة الحقيقية هي أن العراق تحوّل، في مراحل مختلفة، إلى ساحة للصراع بالوكالة.

وأي وجود عسكري أجنبي على الأراضي العراقية من دون موافقة الدولة ومؤسساتها الشرعية يمثل انتهاكًا للسيادة العراقية،

لقد دفع العراقيون ثمنًا باهظًا من أجل استعادة قرارهم الوطني، والمطلوب اليوم حكومة إنقاذ وطني قوية وقادرة على فرض سيادة الدولة، وإعادة هيبتها، والحفاظ على كيانها ومؤسساتها، واستعادة الأموال العامة المنهوبة، ومحاسبة المسؤولين عنها، بما يضع حدًا لحالة التسلط واستغلال السلطة.

وعلى هذه الحكومة أن تقول للجميع بوضوح:

أرض العراق ليست منصة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وقرار العراق يجب أن يكون عراقيًا مستقلًا.

4. كيف ترون تأثير الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة على العراق، وهل تعتقدون أن الموقف الأمريكي في مواجهة المشروع الإيراني يخدم أمن المنطقة، خصوصًا في ظل المخاوف من امتلاك إيران قدرة نووية عسكرية؟

التأثير على العراق مباشر وخطير، وقد يكون كارثيًا إذا اتسع نطاق الصراع. ومن وجهة نظرنا، فإن من حق الولايات المتحدة أن تدافع عن أمنها وأمن حلفائها وأمن المنطقة وأن تعمل على منع إيران من امتلاك سلاح نووي؛ لأن امتلاك نظام مثل النظام الإيراني لهذه القدرة سيشكل عامل تهديد ليس للعراق وحده، وإنما لدول الخليج والشرق الأوسط بأكمله، وسيؤدي إلى سباق تسلح خطير في المنطقة.

وما شهدناه خلال الحرب الحالية يؤكد خطورة تمدد الصراع الإيراني إلى دول المنطقة. فقد امتدت الهجمات والتهديدات إلى دول الخليج والشرق الأوسط، وطالت الأراضي العراقية وإقليم كوردستان، كما تعرضت مصالح ومنشآت وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها لهجمات، فيما أصبح مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية تهدد حركة الملاحة والطاقة في المنطقة.

أما العراق، فقد وجد نفسه مرة أخرى في موقع المتضرر من صراع ليس طرفًا أصيلًا فيه. لذلك لا يجوز أن تتحول الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين إيران والولايات المتحدة، ولا أن تستخدم الفصائل المرتبطة بإيران العراق منصة لاستهداف الدول المجاورة أو المصالح الدولية.

نحن نحتاج إلى موقف عراقي واضح: العراق مع استقرار المنطقة، ومع منع انتشار الأسلحة النووية العسكرية، ومع حق الدول في الدفاع عن نفسها، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن تكون أرضه ساحة للحرب أو منصة لإطلاق الهجمات على الآخرين.

والمطلوب من العراق أن يستعيد قراره الوطني وسيادته الكاملة، وأن تكون علاقاته مع الولايات المتحدة ومع دول المنطقة قائمة على المصالح العراقية والدولية المشتركة، فالعراق يجب أن يكون دولة قوية ذات قرار مستقل.

5. كيف يمكن للعالم العربي مواجهة تبعات تلك الحرب؟

هناك حاجة إلى موقف عربي موحد يرفض تحويل الدول العربية إلى ساحات للصراع وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ويدفع باتجاه حماية أمن المنطقة واستقرارها، ونشيد في هذا السياق بقرار المملكة العربية السعودية بتشكيل تحالف ثلاثي ضم السعودية وتركيا وباكستان، لما يمكن أن يمثله هذا التحالف من قوة إقليمية ودولية قادرة على حماية أمن المنطقة والتصدي لأي تهديدات تستهدف دولها وشعوبها وتكون شريكًا دوليًا حقيقيًا في صناعة وإدارة القرار الدولي.

كما يجب دعم سيادة الدول العربية، من خلال جامعة الدول العربية والمبادرات السياسية والوساطات، مع التأكيد على ضرورة احترام استقلال الدول وعدم السماح لأي طرف بتحويل أراضيها إلى قواعد أو منصات للصراع.

وهناك أيضًا حاجة إلى تنسيق عربي اقتصادي وأمني وإنساني لمواجهة تداعيات أي تصعيد، خصوصًا أن دولًا مثل العراق وسوريا ولبنان ستكون من أكثر الدول تأثرًا بتداعيات الصراع.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يكون هناك موقف عربي واضح من انتشار السلاح والبرامج العسكرية التي تهدد أمن المنطقة، وأن تعمل الدول العربية على بناء منظومة أمن إقليمي تحفظ سيادتها ومصالحها وتمنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للحروب.

أما على المستوى الإعلامي، فنحن بحاجة إلى خطاب عربي أكثر رشدًا ومسؤولية، يبتعد عن التحريض الطائفي، ويضع مصلحة الشعوب العربية وأمنها واستقرارها فوق مصالح المحاور السياسية.

6. لماذا لم يحصل العراق حتى الآن على طموحاته؟ وما هي مسيرتكم القادمة لتحقيق ما يطمح إليه العراق؟

لم يحصل العراق على طموحاته لأن بناء الدولة قام على أسس خاطئة؛ المحاصصة بدل الكفاءة، والولاء بدل القانون، والانتماء الفرعي بدل المواطنة، والمصالح الحزبية بدل المصلحة الوطنية.

ولذلك بقي العراق يمتلك ثروات وإمكانات هائلة، لكنه لم يتمكن من تحويلها إلى دولة قوية ومستقرة تضمن حياة كريمة لأبنائها.

ونحن بحاجة اليوم إلى أن يفهم الشعب العراقي خطورة استمرار منظومة سياسية فاسدة سمحت لأشخاص وجماعات بالتسلط على رقاب أبناء الشعب، واستغلال السلطة والنفوذ، والاستيلاء على المال العام، في ظل غياب المحاسبة الحقيقية. والمشكلة الأكبر أن الفساد أصبح منظومة متكاملة، بحيث يذهب مسؤول متهم بالفساد ويأتي آخر ليحل محله، وتستمر الحلقة نفسها، وكأنها عملية تدوير للسلطة والفساد على حساب الدولة والشعب.

لذلك فإن المسيرة القادمة يجب أن تبدأ من تغيير هذه المنظومة وبناء وعي وطني جديد، ينتقل فيه العراقيون من سؤال: من يحكم؟ إلى السؤال الأهم: كيف يحكم؟ وهل يحكم وفق دستور وطني أم وفق المصالح الحزبية والشخصية؟

نحن نريد دولة مدنية، دولة مواطنة وقانون ومبادئ، تقوم على الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والمساواة بين العراقيين، وحماية المال العام، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الفساد أو سرقة أموال الشعب، بعيدًا عن الحماية الحزبية أو السياسية.

كما أننا نؤمن بأهمية تمكين الشباب العراقي، الذين كانوا في مقدمة الحراك المطالب بالتغيير عام 2019، وما زالوا يعبرون عن مطالبهم من خلال التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات في مختلف المحافظات العراقية. ونحن نثمّن وقفتهم الشجاعة وإصرارهم على المطالبة بدولة عادلة تحفظ حقوقهم وتصون مستقبلهم.

أما مسيرتنا القادمة، فلا ينبغي أن تكون سياسية فقط؛ فالعمل الثقافي والفكري لا يقل أهمية عن العمل السياسي. والكتاب الذي بين أيدينا، «رجل في زمن الانهيار»، هو جزء من هذه المعركة؛ لأن معركة بناء الدولة لا تبدأ من البرلمان ومؤسسات الحكم فحسب، وإنما تبدأ أولًا من بناء الإنسان، وترسيخ الوعي، واستعادة قيمة المواطنة، وإيمان العراقي بحقه في دولة وطنية عادلة وقوية تحترم كرامته وتحمي مستقبله.

7. في النهاية، ما مطالبكم من العالم العربي بصفة عامة ومن مصر بصفة خاصة خلال المرحلة المقبلة؟

من العالم العربي، نقول: لا تتركوا العراق وشعبه وقيادته الوطنية وحده في مواجهة الفوضى. لابد من استعادة العراق لدوره كدولة محورية في المنطقة، والاستثمار في الإنسان العراقي، وفي التعليم والصحة والثقافة، ولابد من استعادة سيادة العراق بالقوة نفسها التي يعمل العرب من أجلها.

أما مصر تحديدًا، فهي العمق التاريخي والثقافي للعالم العربي، ونحن ننتظر منها ثلاثة أدوار أساسية:

أولًا: الدور الوسيط.

مصر قادرة على لعب دور متوازن بين مختلف الأطراف، والمساهمة في دعم الاستقرار في المنطقة.

ثانيًا: الخبرة المؤسسية.

العراق بحاجة إلى الاستفادة من الخبرات المصرية في مجالات التعليم والقضاء وبناء المؤسسات والدولة الوطنية.

ثالثًا: الحضور الثقافي.

نريد عودة الكتاب المصري، والمدرس المصري، والفن والثقافة المصرية إلى العراق. فهذا الحضور الثقافي أقوى تأثيرًا من أي سلاح.

إن العراق ومصر شريكان في صناعة تاريخ المنطقة، وبدون عراق قوي ومصر قوية، سيبقى العالم العربي أضعف. والعاقبة للمتقين.

حواره / مصطفى عمارة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاسطورة تويتر _ الاسطورة الجديد _ العمدة سبورت _ ترددات القنوات _ سعر الدولار اليوم