الحشرجة الأخيرة لإيران… وهل بدأ تفكيك الهلال؟ معركة الممرات الاستراتيجية وإعادة تشكيل النفوذ في المشرق

0

لم تعد المنطقة تُقرأ من خلال عدد الصواريخ التي تُطلق، ولا من خلال مساحة الدمار التي تخلّفها الضربات. فالمعركة الحقيقية انتقلت إلى مكان أعمق: إلى خرائط النفوذ، والممرات الاستراتيجية، ومن يملك القدرة على الحركة بين الجغرافيا السياسية دون أن يتحول إلى أسير لها.
في الشرق الأوسط، لم يعد الصاروخ مجرد سلاح؛ بل أصبح رسالة سياسية، وأداة تفاوض، وإشارة إلى أن مرحلة كاملة من توازنات المنطقة تقترب من نهايتها.
ولهذا فإن ما يجري في العراق لا يمكن عزله عن سوريا ولبنان، كما لا يمكن فصل هذه الساحات عن الصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. فالمشهد، رغم تعدد ساحاته، يبدو كأنه أجزاء من لوحة واحدة: طهران، بغداد، دمشق، بيروت… والممر الذي يصل بينها.
من مشروع التمدد إلى معركة البقاء
على مدى عقود، بنت إيران نفوذها الإقليمي ليس من خلال قوتها العسكرية المباشرة فقط، وإنما عبر شبكة واسعة من القوى والفصائل المسلحة التي جعلت نفوذها يتجاوز حدودها.
لكن المعادلة بدأت تتغير.
فالمشكلة بالنسبة لإيران لم تعد فقط في مواجهة خصومها، وإنما في الحفاظ على الشبكة التي صنعت من خلالها نفوذها. وكلما ضاقت مساحة الحركة أمام هذه الشبكة، أصبحت طهران مضطرة إلى الانتقال تدريجياً من مشروع التوسع إلى مشروع حماية المكتسبات.
وهنا تظهر أهمية العراق.
العراق ليس مجرد ساحة داخلية؛ إنه عقدة استراتيجية في قلب المشرق. فمن خلاله تمر خطوط النفوذ والاتصال بين إيران وسوريا ولبنان. ولذلك فإن إعادة تعريف موقع الفصائل المسلحة داخل الدولة العراقية ليست قضية عراقية محضة، بل جزء من السؤال الأكبر: هل ستبقى المنطقة محكومة بشبكات السلاح العابرة للحدود، أم تعود الدولة لتكون مركز القرار؟
سوريا… الحلقة التي تغيرت قواعد اللعبة
لكن المتغير الأكثر أهمية هو سوريا.
سوريا التي كانت لسنوات ممراً رئيسياً في شبكة النفوذ الإيراني، تدخل اليوم مرحلة مختلفة بعد سقوط نظام الأسد وتولي الرئيس أحمد الشرع قيادة الدولة السورية الجديدة.
وهنا لا تكمن أهمية التحول السوري في تغيير السلطة فقط، بل في احتمال انتقال سوريا من ساحة تتنافس عليها القوى الخارجية إلى دولة تسعى إلى إعادة امتلاك قرارها وحدودها ومؤسساتها.
وهذا التحول، إذا اكتمل، يغير الحسابات في المشرق كله.
فانتهاء عصر الميليشيات التي تستطيع التحرك بين الدول دون قرار وطني واضح يعني عملياً أن الممرات التي كانت تُدار بمنطق النفوذ العابر للحدود ستواجه واقعاً جديداً: الدولة، لا الميليشيا، هي التي تحدد من يعبر، ومن يتمركز، ومن يحمل السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم.
ومن هنا تصبح سوريا الجديدة أكثر من مجرد دولة خارجة من حرب طويلة؛ إنها قد تتحول إلى إحدى أهم نقاط إعادة رسم الخريطة السياسية للمشرق.
العراق أمام الاختبار
العراق يقف أمام مفترق تاريخي.
فإذا تمكنت بغداد من تعزيز مؤسساتها الأمنية واحتكار قرار السلاح ضمن مؤسسات الدولة، فقد تنتقل من كونها ساحة لتوازنات الآخرين إلى دولة تمتلك هامشاً أكبر من الاستقلال في صناعة قرارها الإقليمي.
أما إذا بقي السلاح خارج القرار الوطني، فإن العراق سيظل الحلقة التي تتقاطع عندها المشاريع الإقليمية والدولية.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية: ليست المعركة على وجود فصيل أو تنظيم بعينه، بل على من يمتلك حق تعريف الدولة نفسها.
لبنان… نهاية مرحلة أم إعادة تموضع؟
وفي لبنان، يبدو حزب الله أمام بيئة مختلفة عن تلك التي نشأ وتوسع داخلها.
فالضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية المتراكمة لا تتعلق بالسلاح وحده، وإنما بالسؤال عن شكل الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة، وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه أي قوة مسلحة خارج القرار الرسمي.
وإذا كان العراق يمثل البوابة الشرقية، وسوريا تمثل القلب الجغرافي للممر، فإن لبنان يمثل نهايته الغربية.
وبالتالي فإن تغيير قواعد اللعبة في واحدة من هذه الساحات يترك أثراً على الساحات الأخرى.
هل بدأ تفكيك الهلال؟
ربما يكون التعبير الأدق ليس “سقوط الهلال الإيراني”، وإنما تفكيك بنيته القديمة وإعادة هندسة ممراته.
فالهلال لم يكن مجرد خط على الخريطة؛ كان منظومة من العلاقات والنفوذ والسلاح والممرات.
واليوم تتعرض هذه المنظومة لاختبار تاريخي.
قد لا تكون المعركة تهدف إلى إنهاء إيران كقوة إقليمية، فهذا أمر أكثر تعقيداً من أن يُحسم عسكرياً. لكن الهدف المحتمل هو جعل النفوذ الإيراني أقل قدرة على الحركة، وأكثر تكلفة في الحفاظ عليه، وأقل قدرة على استخدام الوكلاء الإقليميين كامتداد مباشر للقرار الإيراني.
وهنا تتحول الجغرافيا إلى سلاح.
المشرق الجديد
المشرق الذي يتشكل اليوم ليس بالضرورة مشرقاً خالياً من إيران، ولا مشرقاً خالياً من الولايات المتحدة أو إسرائيل أو القوى العربية.
إنه مشرق تحاول فيه كل دولة إعادة تعريف موقعها.
والتحول الأخطر هو انتقال المنطقة من عصر الميليشيات العابرة للدول إلى عصر الدولة التي تستعيد احتكار القوة والقرار.
وفي قلب هذا التحول تقف سوريا.
فإذا نجحت دمشق في بناء دولة مستقرة، واستعادة مؤسساتها، وتثبيت سيادتها، والتعامل مع القوى الخارجية من موقع الدولة لا من موقع الساحة، فإنها لن تكون مجرد متلقية لتداعيات الصراع؛ بل قد تصبح أحد اللاعبين الذين يرسمون المرحلة الجديدة.
وهنا تحديداً تتغير المعادلة.
فالسؤال لم يعد: من يسيطر على سوريا؟
بل أصبح: ماذا ستفعل سوريا عندما تستعيد قدرتها على التأثير؟
الخلاصة
قد لا تكون هذه الحشرجة الأخيرة لإيران، لكنها قد تكون الحشرجة الأخيرة لنموذج إقليمي كامل قام على الممرات المفتوحة والميليشيات العابرة للحدود.
المعركة القادمة لن تُحسم بالضرورة في الجبهات.
قد تُحسم في المؤسسات، وفي الحدود، وفي الموانئ، وفي طرق التجارة، وفي شرعية السلاح، وفي قدرة الدول على استعادة قرارها.
إنها ليست معركة حدود فقط…
إنها معركة خرائط.
ومن يملك الممرات، يملك جزءاً من المستقبل.
ومن يملك الدولة، يملك حق رسم الخريطة.
ولذلك فإن ما يجري من بغداد إلى دمشق وبيروت ليس مجرد أحداث متفرقة؛ بل قد يكون بداية انتقال المشرق من خريطة النفوذ المسلح إلى خريطة الدولة، ومن عصر الوكلاء إلى عصر اللاعبين المباشرين
الكاتبة والباحثة في شؤون العلاقات الدوليه
كنانه خلف الكردي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاسطورة تويتر _ الاسطورة الجديد _ العمدة سبورت _ ترددات القنوات _ سعر الدولار اليوم