أزمة البنزين تكشف خوف النظام من الشارع وتحوّل محطات الوقود إلى نقاط أمنية
قال مهدي رضا، الكاتب المعارض للنظام الإيراني والخبير في شؤون الشرق الأوسط، إن التطورات الأخيرة في ملف البنزين لم تعد أزمة اقتصادية أو فنية مرتبطة بالإنتاج والتوزيع فحسب، بل تحولت إلى قضية سياسية وأمنية شديدة الحساسية، تكشف حجم القلق الذي يسيطر على دوائر الحكم من أن تتحول أزمة الوقود ورفع الأسعار إلى شرارة لاحتجاجات واسعة.
وأوضح مهدي رضا أن الإعلان عن نشر عناصر «شرطة الأمن الاقتصادي» والفرق الأمنية في محطات الوقود، تحت عنوان مكافحة التهريب، ينبغي قراءته في ضوء التجربة التي عاشها النظام في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، عندما أدى الرفع المفاجئ لأسعار البنزين إلى احتجاجات واسعة. وأضاف أن محطات الوقود، بطبيعتها، تجمع يومياً أعداداً كبيرة من المواطنين، ولذلك فإن عسكرة هذه المواقع قبل اتخاذ قرارات حساسة بشأن الأسعار تعكس استعداداً أمنياً بقدر ما تعكس إجراءً اقتصادياً.
وأشار إلى أن خطورة الوضع الحالي تكمن في أنه يأتي في لحظة أشد تعقيداً؛ فالعملة الإيرانية شهدت انهياراً حاداً، والقدرة الشرائية تراجعت، والاحتجاجات المعيشية للمتقاعدين والعمال وشرائح أخرى تتسع، فيما تتعرض موارد النظام لضغوط إضافية بفعل العقوبات والحصار الاقتصادي المتصاعد. وفي مثل هذه الظروف، لا تبقى زيادة سعر البنزين محصورة في كلفة الوقود، بل تنتقل سريعاً إلى النقل والمواد الغذائية والخدمات ومجمل تكاليف المعيشة.
وقال مهدي رضا: «التناقضات العلنية بين مسؤولي النظام هي أفضل مؤشر على حجم المأزق». فمن جهة، يعترف مسؤولون بالحاجة إلى استيراد الوقود وبالكلفة الباهظة التي تتحملها الحكومة، ويتحدثون عن ضرورة تعديل الأسعار؛ ومن جهة أخرى، تسارع الحكومة إلى نفي وجود قرار نهائي، فيما يحذر نواب البرلمان علناً من «اللعب بأعصاب المواطنين». وهذا يعني أن النظام يعرف المشكلة الاقتصادية، لكنه يخشى الثمن السياسي للحل الذي يفكر فيه.
وأضاف أن الأزمة أصبحت أكثر خطورة مع تشديد الخناق الاقتصادي على طهران. فكلما تقلصت قدرة النظام على الحصول على العملات الصعبة وتمويل الواردات، ازدادت صعوبة المحافظة على نظام الدعم الحالي. وفي المقابل، فإن تحميل المواطنين كلفة هذا العجز في مجتمع يعاني أصلاً من التضخم والفقر وتآكل الأجور يمكن أن يحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية مباشرة.
وختم مهدي رضا بالقول: «المشكلة الأساسية ليست في أن إيران بلد يفتقر إلى النفط والغاز؛ بل في أولويات نظام أنفق خلال عقود موارد هائلة على الأجهزة العسكرية والأمنية والبرنامج النووي والصاروخي والتدخلات الإقليمية، بينما تتفاقم أزمات المواطن الأساسية. ولذلك فإن مشهد القوات الأمنية في محطات البنزين يلخص المأزق كله: السلطة لا تنظر إلى أزمة الوقود فقط باعتبارها مشكلة يجب حلها، بل تنظر إلى المواطن الغاضب باعتباره خطراً يجب الاستعداد لاحتوائه. وهذا تحديداً ما يجعل أزمة البنزين مرشحة لأن تصبح اختباراً سياسياً وأمنياً بالغ الخطورة للنظام».