الاعلامية كنانة خلف الكردي: النفوذ الإيراني ومشروع اقتلاع الهوية الأحوازية

0

 

من السيطرة على الأرض إلى إعادة تشكيل الإنسان… وما الذي ينبغي أن تتعلمه دمشق؟

حين تُقرأ قضية الأحواز من زاوية سورية، فإنها لا تبدو قضية بعيدة خلف الحدود الإيرانية، ولا مجرد ملف قومي أو نزاع على أرض وثروة؛ بل تتحول إلى دراسة حالة لنمط من أنماط بناء النفوذ وإدارة الأطراف وإعادة تشكيل المجتمعات.

فالمشكلة لا تبدأ دائماً عندما يدخل الجندي إلى مدينة، ولا تنتهي عندما ينسحب السلاح من شارع. النفوذ الأكثر رسوخاً هو الذي ينتقل من السيطرة على الجغرافيا إلى التأثير في الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى التعليم والإعلام والثقافة، ثم يصل في مرحلته الأخطر إلى إعادة تعريف الإنسان لذاته ولتاريخ أرضه ولعلاقته بالدولة.

ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب الأحواز أهمية استراتيجية بالنسبة إلى سورية الجديدة.

فما يجري في الأحواز، وفق ما توثقه تقارير حقوقية وإعلامية متعددة، يرتبط بقضايا متشابكة: الحقوق الثقافية واللغوية، توزيع الثروة، التهميش التنموي، التمييز، البيئة، الاعتقال، والسياسات الأمنية. وهذه الملفات لا يمكن فصل بعضها عن بعض؛ لأنها في النهاية تصب في سؤال واحد: من يملك الأرض والثروة والقرار والقدرة على تعريف هوية المجتمع؟

أولاً: الأحواز… عندما تتحول الثروة إلى أداة للسيطرة

الأحواز ليست منطقة هامشية في الحسابات الإيرانية. موقعها الجغرافي، ومواردها النفطية والغازية، ومياهها، وامتدادها العربي، كلها تمنحها أهمية استثنائية.

لكن المفارقة الاستراتيجية تكمن في أن غنى الأرض لا يعني بالضرورة غنى أهلها.

وهنا تظهر معادلة المركز والهامش بأوضح صورها: منطقة تنتج موارد استراتيجية للدولة، بينما يعاني جزء من سكانها من مشكلات مزمنة تتعلق بالبطالة والفقر والخدمات والبيئة.

ولا يجوز اختزال هذه المسألة في عبارة «نهب الثروة» من دون أرقام ومقارنات؛ لكن استمرار الفجوة بين حجم الموارد وحجم التنمية المحلية يفرض سؤالاً سياسياً مشروعاً:

كيف تُوزَّع عوائد الموارد؟ ومن يقرر أولويات الاستثمار؟ ومن يملك القدرة على مساءلة المركز؟

وهذا السؤال ليس أحوازياً فقط.

إنه سؤال يجب أن تطرحه دمشق وهي تعيد بناء الدولة السورية: النفط والغاز والمياه والزراعة والموانئ والمعابر ليست مجرد موارد اقتصادية، بل هي جزء من العقد الوطني بين الدولة والمجتمع.

فإذا شعر المواطن أن ثروات منطقته تُستخرج منها ولا تعود إليها في صورة مدارس ومستشفيات وطرق وفرص عمل، فإن المشكلة لا تبقى اقتصادية؛ بل تتحول تدريجياً إلى أزمة ثقة، ثم إلى أزمة انتماء.

ثانياً: البنية التحتية… الإهمال عندما يتحول إلى مؤشر سياسي

من السهل النظر إلى شبكة غاز متقادمة، أو طريق متهالك، أو شبكة مياه ضعيفة، باعتبارها مشكلة خدمية.

لكن في التحليل الاستراتيجي، لا يُنظر إلى حادث منفرد باعتباره دليلاً على سياسة متعمدة. السؤال الحقيقي هو: هل توجد أنماط متكررة؟ وهل تتفاوت الاستثمارات والخدمات بصورة مزمنة بين المركز والأطراف؟

هذه النقطة مهمة في الحالة الأحوازية.

فإذا تكررت مشكلات البنية التحتية والخدمات والبيئة في منطقة غنية بالموارد، فإن القضية تستحق تحقيقاً مستقلاً وشفافية في البيانات، لا مجرد خطاب سياسي.

والأهم أن دمشق مطالبة بفهم هذه القاعدة قبل أي شيء:

التهميش الخدمي ليس فراغاً سياسياً.

فالطريق الذي لا يُصلح، والمشفى الذي لا يُجهز، والمدرسة التي لا تُرمم، وفرصة العمل التي لا تُخلق، كلها تتحول مع الوقت إلى مساحة يمكن أن تستغلها القوى الخارجية لبناء خطاب بديل عن الدولة.

ثالثاً: أخطر المعارك ليست عسكرية… إنها معركة الذاكرة

قد تستطيع الدولة أن تفرض الأمن بالقوة، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها أن تجعل الناس ينسون لغتهم وتاريخهم وذاكرتهم.

ولهذا فإن معركة الهوية غالباً ما تكون أطول من المعركة العسكرية.

فاللغة، وأسماء المدن والقرى، والآثار، والموروث الشعبي، والذاكرة التاريخية، والمناهج التعليمية، والإعلام المحلي؛ كلها عناصر تشكل ما يمكن تسميته الأمن الثقافي للمجتمع.

وعندما يتعرض هذا المجال للتهميش أو إعادة الصياغة أو الإقصاء، فإن الصراع ينتقل من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الرواية.

وهنا تكمن إحدى أخطر أدوات النفوذ:

أن تجعل الإنسان يعيش على أرضه، لكنه يشعر أن روايته عنها لم تعد ملكه.

فالتراث ليس حجراً فقط، واللغة ليست وسيلة تواصل فقط، والاسم ليس مجرد كلمة.

كلها أدوات لإثبات الوجود التاريخي.

ومن هنا، فإن حماية الهوية الأحوازية لا تعني بالضرورة إنتاج خطاب انعزالي، بل تعني حماية حق المجتمع في لغته وذاكرته وتراثه ومشاركته في تقرير مستقبله.

رابعاً: المجتمع هو ساحة النفوذ الحقيقية

أحد أهم الدروس التي ينبغي استخلاصها من التجارب الإقليمية هو أن النفوذ لا يستمر بالسلاح وحده.

السلاح يستطيع فرض السيطرة، لكنه لا يستطيع وحده صناعة بيئة اجتماعية مستقرة.

ولهذا تتجه مشاريع النفوذ طويلة الأمد إلى بناء شبكات داخل المجتمع: اقتصادية، دينية، تعليمية، إعلامية، أمنية، وخدمية.

وعندما يصبح الوصول إلى الوظيفة أو المساعدة أو الامتياز الاقتصادي مرتبطاً بدرجة الولاء، تتحول الدولة تدريجياً من مؤسسة عامة إلى شبكة توزيع للامتيازات السياسية.

وهنا يجب التعامل بحذر مع التقارير التي تتحدث عن استقطاب الشباب أو النساء أو الأطفال في مناطق مختلفة من إيران. فكل ادعاء من هذا النوع يحتاج إلى توثيق مستقل، لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن استقطاب الفئات الهشة أو الأصغر سناً يمكن أن يكون وسيلة لإعادة إنتاج الولاء السياسي على المدى الطويل.

والخطورة هنا ليست في التجنيد العسكري فقط، وإنما في بناء جيل جديد يرى الامتياز الاجتماعي مرتبطاً بالولاء السياسي.

خامساً: الحرس الثوري… نموذج النفوذ المركب

يصعب فهم النفوذ الإيراني الإقليمي إذا جرى التعامل مع الحرس الثوري الإيراني باعتباره مؤسسة عسكرية تقليدية فقط.

فالحرس الثوري، عبر العقود، أصبح جزءاً من منظومة أوسع تتداخل فيها الأدوار الأمنية والسياسية والاقتصادية والأيديولوجية والإقليمية.

وهذا يعطينا نموذجاً مهماً لما يمكن تسميته:

«النفوذ المركب».

أي أن القوة لا تتحرك في اتجاه واحد، وإنما تعمل عبر عدة مسارات متزامنة:

الأمن + الاقتصاد + الإعلام + الأيديولوجيا + الشبكات المحلية + النفوذ السياسي.

ولهذا فإن مواجهة النفوذ لا تنجح بمجرد استهداف جناحه العسكري.

إذا بقيت شبكاته الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والسياسية قادرة على إعادة إنتاج نفسها، فإن النفوذ يمكن أن يعود بأشكال جديدة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة إلى سورية.

سادساً: من الأحواز إلى سورية… لا نسخ للتجارب بل فهم للمنهج

لا يمكن القول إن الحالة الأحوازية والسورية متطابقتان.

هذا تبسيط سياسي وتاريخي.

لكن يمكن المقارنة بين أدوات بناء النفوذ.

ففي سورية، استطاعت إيران خلال سنوات الحرب أن تبني علاقات وشبكات متعددة الأشكال، مستفيدة من الظروف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها الحرب.

وهنا ينبغي أن يكون السؤال السوري الجديد أكثر عمقاً من سؤال:

أين توجد الميليشيات الإيرانية؟

السؤال الحقيقي هو:

أين بقيت البنية التي تسمح بإعادة إنتاج النفوذ الإيراني حتى بعد خروج المقاتل؟

قد يكون النفوذ في مؤسسة اقتصادية، أو شبكة مصالح، أو علاقة اجتماعية، أو نشاط ثقافي، أو مؤسسة تعليمية، أو ارتباط مالي، أو شبكة محلية.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة:

إخراج القوة الصلبة لا يعني بالضرورة تفكيك النفوذ.

سابعاً: دمشق أمام معركة ما بعد إخراج إيران

إذا أرادت سورية الجديدة أن تتعامل بجدية مع الإرث الإيراني، فعليها ألا تختزل الملف في إخراج الميليشيات أو إغلاق بعض المقرات.

المعركة الحقيقية هي إعادة بناء الدولة بحيث لا تحتاج المجتمعات إلى بديل خارجي عنها.

وهذا يبدأ من سؤال بسيط لكنه شديد الخطورة:

لماذا تبحث بعض المجتمعات عن حماية أو تمويل أو تمثيل خارج مؤسسات الدولة؟

إذا كان الجواب هو غياب الدولة، فإن الحل لا يكون أمنياً فقط.

الحل هو إعادة الدولة إلى المجتمع.

وهذا يعني:

* عدالة في توزيع الموارد والاستثمارات.
* إدارة محلية فعالة دون تفكيك وحدة الدولة.
* مؤسسات أمنية وطنية لا حزبية ولا فئوية.
* شفافية في ملف الثروات والموارد.
* حماية التنوع الثقافي واللغوي ضمن الهوية الوطنية الجامعة.
* تجفيف مصادر التمويل الخارجي للشبكات غير الرسمية.
* رقابة حقيقية على المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بمشاريع النفوذ.
* بناء إعلام وطني قادر على مواجهة الدعاية الخارجية بالمعلومة لا بالشعارات.
* حماية التعليم من التحول إلى أداة أيديولوجية.
* إعادة الاعتبار للمناطق التي عانت من الحرب والتهميش.

ثامناً: دير الزور ليست هامشاً… وهذه رسالة استراتيجية لدمشق

وهنا تحديداً ينبغي أن تنتبه دمشق إلى الشرق السوري.

دير الزور، والحسكة، والرقة، وغيرها من المناطق التي تمتلك موارد استراتيجية أو تقع على طرق جغرافية حساسة، لا يمكن أن تُدار بعقلية الأطراف الهامشية.

المناطق الغنية بالموارد يجب أن تكون قلباً في مشروع الدولة، لا خزينةً تُفتح عند الحاجة وتُغلق عندما تنتهي الحاجة.

فالنفط الذي لا يتحول إلى مدرسة ومستشفى وطريق وفرصة عمل، يمكن أن يتحول إلى سبب للغضب.

والحدود التي لا تحميها دولة قوية يمكن أن تصبح ممراً لشبكات النفوذ.

والفراغ الإداري يمكن أن يتحول إلى فراغ سياسي.

والفراغ السياسي لا يبقى فارغاً طويلاً.

دائماً هناك من يسعى لملئه.

ولهذا فإن بناء سورية الجديدة لا يتطلب فقط استعادة السيادة على الأرض، بل يتطلب أيضاً بناء علاقة جديدة بين المركز والأطراف.

تاسعاً: المعركة القادمة هي معركة «تحصين المجتمع»

قد تنجح الدولة في منع دولة أخرى من التدخل المباشر، لكنها تفشل إذا بقي المجتمع هشاً أمام المال والسلاح والخطاب الخارجي.

ومن هنا فإن الأمن الوطني السوري يجب أن يُفهم بمفهوم أوسع.

الأمن ليس فقط حماية الحدود.

الأمن أيضاً:

أمن اقتصادي، وأمن اجتماعي، وأمن ثقافي، وأمن معلوماتي، وأمن مؤسساتي.

فالمواطن الذي يحصل على حقوقه من الدولة أقل حاجة إلى الوسيط الخارجي.

والمجتمع الذي يثق بمؤسساته أقل قابلية للاختراق.

والمنطقة التي تحصل على نصيبها العادل من التنمية أقل قابلية للتحول إلى حاضنة لمشاريع النفوذ.

وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تفهمها دمشق جيداً:

أفضل طريقة لمواجهة النفوذ الخارجي ليست فقط مطاردته، وإنما إزالة البيئة التي تسمح له بالنمو.

عاشراً: الأحواز كسؤال سوري لا كقضية إيرانية فقط

قضية الأحواز تكشف أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد صراعاً على الأرض وحدها.

إنه صراع على:

الأرض + الثروة + الإنسان + الذاكرة + المؤسسات + الرواية.

ولهذا فإن القضية الأحوازية تحمل رسالة سياسية عميقة لسورية.

إذا أرادت دمشق أن تمنع تكرار تجربة النفوذ الإيراني، فعليها ألا تسمح بإعادة إنتاج الأسباب التي صنعت البيئة المناسبة لهذا النفوذ.

لا تهميش للمحافظات.

لا توزيع غير عادل للثروة.

لا إقصاء للثقافات المحلية.

لا مؤسسات أمنية خارج القانون.

لا اقتصاديات موازية للدولة.

لا تعليم مسيّس.

ولا إعلام يتحول إلى أداة لتزييف الواقع.

الخلاصة: إخراج إيران من سورية لا يكفي

إن إخراج إيران من الجغرافيا السورية، إن تحقق، هو بداية المعركة وليس نهايتها.

فالنفوذ الذي استمر سنوات لا يختفي بخروج المقاتل من الثكنة.

قد يبقى في الاقتصاد، وفي العلاقات، وفي الشبكات المحلية، وفي المصالح، وفي الذاكرة، وفي بعض المؤسسات.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تفكيك منظومة النفوذ لا مجرد تفكيك أدواتها العسكرية.

وهنا تكمن أهمية قراءة الأحواز بالنسبة إلى دمشق.

فالأحواز تقدم نموذجاً لدراسة العلاقة بين الهوية والثروة والمركز والأطراف والنفوذ.

وسورية اليوم أمام فرصة تاريخية كي تتعلم من تجارب المنطقة قبل أن تعيد إنتاج أخطائها.

إن الدولة التي تريد مواجهة المشاريع الخارجية عليها أولاً أن تجعل مواطنيها يشعرون بأنهم شركاء في الدولة، لا سكاناً على هامشها.

فحين تصبح الدولة عادلة، يصبح اختراقها أصعب.

وحين تصبح مؤسساتها قوية، يصبح البديل الخارجي أضعف.

وحين تصل التنمية إلى الأطراف، يصبح استثمار التهميش أكثر صعوبة.

وحين تحمي الدولة هوية مواطنيها وكرامتهم وحقوقهم، يصبح الدفاع عن الوطن أقوى من أي ولاء عابر للحدود.

ولهذا فإن الدرس الأحوازي بالنسبة إلى سورية ليس فقط: كيف نواجه إيران؟

بل السؤال الأعمق:

كيف نبني دولة لا تستطيع إيران ولا غيرها أن تجد داخلها فراغاً تعيش منه؟

وهنا تبدأ معركة سورية الحقيقية؛
ليست فقط معركة إخراج النفوذ الإيراني من الأرض، بل إخراجه من الاقتصاد، ومن الشبكات، ومن المؤسسات، ومن الوعي، عبر بناء دولة وطنية عادلة وقادرة، يكون فيها الانتماء إلى الوطن أقوى من أي مشروع عابر للحدود.
[١٣‏/٨، ١٥:٥٤] الاعلامية كنانة خلف الكردي: سابعاً: دمشق أمام معركة ما بعد إخراج إيران

إذا أرادت سورية الجديدة أن تتعامل بجدية مع الإرث الإيراني، فعليها ألا تختزل الملف في إخراج الميليشيات أو إغلاق بعض المقرات.

المعركة الحقيقية هي إعادة بناء الدولة بحيث لا تحتاج المجتمعات إلى بديل خارجي عنها.

وهذا يبدأ من سؤال بسيط لكنه شديد الخطورة:

لماذا تبحث بعض المجتمعات عن حماية أو تمويل أو تمثيل خارج مؤسسات الدولة؟

إذا كان الجواب هو غياب الدولة، فإن الحل لا يكون أمنياً فقط.

الحل هو إعادة الدولة إلى المجتمع.

وهذا يعني:

* عدالة في توزيع الموارد والاستثمارات.
* إدارة محلية فعالة دون تفكيك وحدة الدولة.
* مؤسسات أمنية وطنية لا حزبية ولا فئوية.
* شفافية في ملف الثروات والموارد.
* حماية التنوع الثقافي واللغوي ضمن الهوية الوطنية الجامعة.
* تجفيف مصادر التمويل الخارجي للشبكات غير الرسمية.
* رقابة حقيقية على المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بمشاريع النفوذ.
* بناء إعلام وطني قادر على مواجهة الدعاية الخارجية بالمعلومة لا بالشعارات.
* حماية التعليم من التحول إلى أداة أيديولوجية.
* إعادة الاعتبار للمناطق التي عانت من الحرب والتهميش.

ثامناً: دير الزور ليست هامشاً… وهذه رسالة استراتيجية لدمشق

وهنا تحديداً ينبغي أن تنتبه دمشق إلى الشرق السوري.

دير الزور، والحسكة، والرقة، وغيرها من المناطق التي تمتلك موارد استراتيجية أو تقع على طرق جغرافية حساسة، لا يمكن أن تُدار بعقلية الأطراف الهامشية.

المناطق الغنية بالموارد يجب أن تكون قلباً في مشروع الدولة، لا خزينةً تُفتح عند الحاجة وتُغلق عندما تنتهي الحاجة.

فالنفط الذي لا يتحول إلى مدرسة ومستشفى وطريق وفرصة عمل، يمكن أن يتحول إلى سبب للغضب.

والحدود التي لا تحميها دولة قوية يمكن أن تصبح ممراً لشبكات النفوذ.

والفراغ الإداري يمكن أن يتحول إلى فراغ سياسي.

والفراغ السياسي لا يبقى فارغاً طويلاً.

دائماً هناك من يسعى لملئه.

ولهذا فإن بناء سورية الجديدة لا يتطلب فقط استعادة السيادة على الأرض، بل يتطلب أيضاً بناء علاقة جديدة بين المركز والأطراف.

تاسعاً: المعركة القادمة هي معركة «تحصين المجتمع»

قد تنجح الدولة في منع دولة أخرى من التدخل المباشر، لكنها تفشل إذا بقي المجتمع هشاً أمام المال والسلاح والخطاب الخارجي.

ومن هنا فإن الأمن الوطني السوري يجب أن يُفهم بمفهوم أوسع.

الأمن ليس فقط حماية الحدود.

الأمن أيضاً:

أمن اقتصادي، وأمن اجتماعي، وأمن ثقافي، وأمن معلوماتي، وأمن مؤسساتي.

فالمواطن الذي يحصل على حقوقه من الدولة أقل حاجة إلى الوسيط الخارجي.

والمجتمع الذي يثق بمؤسساته أقل قابلية للاختراق.

والمنطقة التي تحصل على نصيبها العادل من التنمية أقل قابلية للتحول إلى حاضنة لمشاريع النفوذ.

وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تفهمها دمشق جيداً:

أفضل طريقة لمواجهة النفوذ الخارجي ليست فقط مطاردته، وإنما إزالة البيئة التي تسمح له بالنمو.

عاشراً: الأحواز كسؤال سوري لا كقضية إيرانية فقط

قضية الأحواز تكشف أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد صراعاً على الأرض وحدها.

إنه صراع على:

الأرض + الثروة + الإنسان + الذاكرة + المؤسسات + الرواية.

ولهذا فإن القضية الأحوازية تحمل رسالة سياسية عميقة لسورية.

إذا أرادت دمشق أن تمنع تكرار تجربة النفوذ الإيراني، فعليها ألا تسمح بإعادة إنتاج الأسباب التي صنعت البيئة المناسبة لهذا النفوذ.

لا تهميش للمحافظات.

لا توزيع غير عادل للثروة.

لا إقصاء للثقافات المحلية.

لا مؤسسات أمنية خارج القانون.

لا اقتصاديات موازية للدولة.

لا تعليم مسيّس.

ولا إعلام يتحول إلى أداة لتزييف الواقع.

الخلاصة: إخراج إيران من سورية لا يكفي

إن إخراج إيران من الجغرافيا السورية، إن تحقق، هو بداية المعركة وليس نهايتها.

فالنفوذ الذي استمر سنوات لا يختفي بخروج المقاتل من الثكنة.

قد يبقى في الاقتصاد، وفي العلاقات، وفي الشبكات المحلية، وفي المصالح، وفي الذاكرة، وفي بعض المؤسسات.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تفكيك منظومة النفوذ لا مجرد تفكيك أدواتها العسكرية.

وهنا تكمن أهمية قراءة الأحواز بالنسبة إلى دمشق.

فالأحواز تقدم نموذجاً لدراسة العلاقة بين الهوية والثروة والمركز والأطراف والنفوذ.

وسورية اليوم أمام فرصة تاريخية كي تتعلم من تجارب المنطقة قبل أن تعيد إنتاج أخطائها.

إن الدولة التي تريد مواجهة المشاريع الخارجية عليها أولاً أن تجعل مواطنيها يشعرون بأنهم شركاء في الدولة، لا سكاناً على هامشها.

فحين تصبح الدولة عادلة، يصبح اختراقها أصعب.

وحين تصبح مؤسساتها قوية، يصبح البديل الخارجي أضعف.

وحين تصل التنمية إلى الأطراف، يصبح استثمار التهميش أكثر صعوبة.

وحين تحمي الدولة هوية مواطنيها وكرامتهم وحقوقهم، يصبح الدفاع عن الوطن أقوى من أي ولاء عابر للحدود.

ولهذا فإن الدرس الأحوازي بالنسبة إلى سورية ليس فقط: كيف نواجه إيران؟

بل السؤال الأعمق:

كيف نبني دولة لا تستطيع إيران ولا غيرها أن تجد داخلها فراغاً تعيش منه؟

وهنا تبدأ معركة سورية الحقيقية؛
ليست فقط معركة إخراج النفوذ الإيراني من الأرض، بل إخراجه من الاقتصاد، ومن الشبكات، ومن المؤسسات، ومن الوعي، عبر بناء دولة وطنية عادلة وقادرة، يكون فيها الانتماء إلى الوطن أقوى من أي مشروع عابر للحدود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاسطورة تويتر _ الاسطورة الجديد _ العمدة سبورت _ ترددات القنوات _ سعر الدولار اليوم