الفقر والتضخم والفساد ليست أزمات منفصلة بل ملامح انهيار اقتصادي يدفع إيران نحو انفجار اجتماعي

0

 

قال علي رضا صداقت، المحلل الاقتصادي، إن ما تشهده إيران من ارتفاع حاد في الأسعار، وانهيار القدرة الشرائية، واتساع الفقر، وتدهور البيئة، وهروب رؤوس الأموال والكفاءات، لا يمثل مجموعة أزمات منفصلة، بل نتيجة مباشرة لبنية اقتصادية فاسدة وضعت ثروات البلاد في خدمة بقاء نظام ولاية الفقيه ومؤسساته العسكرية والأمنية.

وأوضح صداقت أن المفارقة الأساسية تكمن في أن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي للغاز وثالث أكبر احتياطي للنفط في العالم، بينما هبط الحد الأدنى للأجور إلى ما يعادل نحو 87 دولاراً شهرياً. وهذه الهوة بين حجم الثروة الوطنية وفقر المواطنين تؤكد أن الأزمة لا تعود إلى نقص الموارد، بل إلى الاستيلاء المنظم عليها وإبعادها عن الإنتاج والخدمات وتحسين مستوى المعيشة.

وأضاف أن المؤشرات الأخيرة تكشف انتقال الاقتصاد من التضخم المزمن إلى مرحلة أكثر خطورة. فالارتفاع السنوي للأسعار اقترب من 88 في المائة، بينما تجاوز تضخم المواد الغذائية 129 في المائة، وسجلت سلع أساسية مثل الزيوت واللحوم والألبان والخبز زيادات تتراوح بين 139 و278 في المائة. وتتحمل الشرائح الأشد فقراً العبء الأكبر، إذ تجاوز التضخم لديها 100 في المائة، كما تجاوز المستوى نفسه في مناطق ريفية واسعة.

وأشار صداقت إلى أن الحد الأدنى للأجور لا يغطي سوى جزء ضئيل من سلة المعيشة وخط الفقر، خصوصاً في طهران والمدن الكبرى. وفي ظل انهيار سعر الريال وفقدانه أكثر من 96 في المائة من قيمته، بات العامل أو الموظف يحتاج إلى أضعاف دخله الحالي لتأمين الغذاء والسكن والعلاج. وهذا يعني أن العمل نفسه لم يعد وسيلة للخروج من الفقر، بل أصبح كثير من العاملين ضمن الفئات الفقيرة.

وأكد أن تحميل العقوبات مسؤولية الأزمة يتجاهل حقيقة أن القطاع الخاص الحقيقي لا يمثل إلا نسبة محدودة من الاقتصاد، بينما تستحوذ المؤسسات التابعة للولي الفقيه والحرس الإرهابي على الجزء الأكبر من الموارد والمشروعات والامتيازات. ومن خلال هذا الاحتكار، تتحول موارد الدولة إلى شبكات مغلقة لا تخضع للرقابة أو المحاسبة.

وأضاف أن الفساد لم يعد مقتصراً على العقود والموازنات، بل امتد إلى العملات الرقمية والمراهنات والتهريب المالي. وفي الوقت الذي يُفرض فيه التقشف على المواطنين، تدور شبكات بمليارات الدولارات مرتبطة بمؤسسات النظام، فيما تستهلك مزارع تعدين العملات المشفرة التابعة لمراكز النفوذ نحو ألفي ميغاواط من الكهرباء، ما يفاقم العجز ويؤدي إلى انقطاعات تطال المنازل والمصانع والمستشفيات.

وشدد صداقت على أن تدمير البيئة يشكل وجهاً آخر للفساد الاقتصادي. فقد أدت مشاريع السدود غير المدروسة، وحفر الآبار، والاستيلاء على الأراضي، إلى جفاف مئات الأحواض المائية، وتسارع انخساف التربة، وإخلاء آلاف القرى. وهكذا لم يكتف النظام بتبديد الثروة الحالية، بل دمّر أيضاً شروط الحياة والإنتاج للأجيال المقبلة.

وأشار إلى أن خروج نحو 27 مليار دولار من رؤوس الأموال خلال عام واحد، إلى جانب هجرة عشرات الآلاف من الطلاب والكفاءات، يعكسان فقدان الثقة الكامل في مستقبل الاقتصاد. فالطبقة النافذة تنقل أموالها إلى الخارج، بينما يغادر الشباب الذين كان يفترض أن يقودوا التنمية، وتبقى كلفة الانهيار على العمال والمتقاعدين والفئات الفقيرة.

وختم علي رضا صداقت بالقول إن تسجيل 158 تحركاً احتجاجياً في شهر واحد يؤكد أن الأزمة المعيشية بدأت تتحول إلى غضب سياسي. فحين يرى المواطن أن التضخم والبطالة وانقطاع الكهرباء وشح المياه ليست أخطاء عابرة، بل نتائج لنظام يحمي شبكات النهب بالقمع، يصبح الاحتجاج على الأسعار احتجاجاً على بنية الحكم نفسها. إن الانفجار الاجتماعي ليس نتيجة حتمية للفقر وحده، بل نتيجة اجتماع الفقر مع انعدام العدالة وإغلاق أبواب الإصلاح، وهو ما يجعل التغيير الديمقراطي الشامل الطريق الوحيد لإنقاذ اقتصاد إيران ومستقبل شعبها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاسطورة تويتر _ الاسطورة الجديد _ العمدة سبورت _ ترددات القنوات _ سعر الدولار اليوم